على مدى الأشهر السابقة، كان الحديث عن أن الحرب الدائرة في سوريا تطرق الأبواب اللبنانية بشكل كبير، لكن هذا الأمر لم يعد صحيحاً لتوصيف الواقع، حيث أن لبنان بات داخل هذه الحرب فعلياً على أكثر من صعيد، سواء كان ذلك داخل حدوده أو عابراً لها.

لم يلتزم أحد بسياسة النأي بالنفس، على الرغم من الترحيب الكبير بها على الصعيدين المحلي والدولي، كانت شعاراً لم يكتب له في أي لحظة التحول إلى أمر واقع، فالجميع يعلم أن كل الجهات اللبنانية منخرطة في الحدث السوري منذ زمن بعيد، وبالتالي لم تعد تنفع هذه السياسة من الناحية العملية بشيء.

سياسة النأي بالنفس "بدعة"

مع مرور الأيام، يتضح أن شعار الحكومة اللبنانية لم يطبق على أرض الواقع في أي يوم، لم ينجح "إعلان بعبدا" في إلزام جميع الأفرقاء السياسيين فيه، ولن ينجح أي إعلان آخر في هذا الأمر، لأن جميع الأفرقاء لديهم رهاناتهم التي لن يسمحوا باسقاطها بأي ثمن.

وفي هذا السياق، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم أن هذه السياسة "بدعة" إبتكرها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، بالتواطؤ مع المشاركين معه في الحكومة، بهدف إرضاء الخارج من العرب وغير العرب، لكن من الناحية العملية لم تقدم ولم تؤخر، حيث يؤكد أن لبنان منذ اليوم الأول إنزلق عن سابق تصور وتصميم إلى الحرب.

ويشير بيرم، في حديث لـ"النشرة"، إلى أن بداية التورط كانت من الشمال، الذي تحول إلى قاعدة لدعم مقاتلي المعارضة السورية، ويلفت إلى أن نصف المعركة التي قامت بها هذه المعارضة كانت إنطلاقاً من لبنان، ومن ثم تم إستكمال هذا التورط من خلال دخول "حزب الله" إلى القصير.

من جانبه، يوافق الكاتب والمحلل السياسي جورج علم على رأي بيرم، حيث يرى، في حديث لـ"النشرة"، أن هذه السياسة نفعت من الناحية المعنوية فقط، أي أن الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي غير متورطة في هذه الأحداث من الناحية الرسمية، لكن على أرض الواقع لبنان مشارك في الحرب من خلال الدور الذي يقوم به البعض، ويلفت إلى أن هذا الأمر يتأكد من خلال الرسائل الدولية إلى كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي.

الأرض جاهزة لكن القرار لم يتخذ بعد

ما جرى على أرض الواقع خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في مدينتي صيدا و​طرابلس​ بعد فترة من الهدوء النسبي، يطرح حوله العديد من علامات الإستفهام حول ما إذا كان لبنان دخل بشكل علني في الحرب السورية، التي كانت تطرق أبوابه على مدى الأشهر السابقة، لا سيما أن أجواء الإحتقان القائم توحي بذلك.

وعن هذا الموضوع، يؤكد بيرم أن لبنان موجود في هذه الحرب منذ اليوم الأول، بدليل جولات العنف المتكررة في الشمال، لا سيما في مدينة طرابلس، وسقوط العشرات من الضحايا فيها، ويرى أن إنعكاس ​الأحداث السورية​ على أكثر من منطقة موجود بشكل كبير، ويعتبر أن هناك نوعاً من الإتفاق على أن تكون طرابلس هي المنطقة التي يتم من خلالها تنفيس الإحتقان.

ويؤكد بيرم أن الأحداث في منطقة الشمال ستعود إلى الإنفجار من جديد في حال هدأت في الأيام المقبلة، لكنه يستبعد أن تتوسع خارج حدود الشمال، حيث يشير إلى أن لا قرار بتفاقم الأمور أكثر، ويعتبر أن السبب في تماهي طرابلس مع الأحداث السورية يعود إلى تقاربها من مدينة حمص، وإلى التنوع الطائفي الموجود فيها.

ومن جهته، يؤكد علم أن هناك جهوزية من أجل إنتقال الحرب السورية إلى الساحة اللبنانية بشكل كبير، على خلفية الصراع الطائفي الذي يكبر يوماً بعد آخر، لكنه يشير إلى أن هناك قراراً دولياً يمنع حصول ذلك، لأن الفتنة في لبنان ستكون لها تداعيات خطيرة على مستوى هوية لبنان والكيان.

ويشدد علم على أن هذا القرار سوف يمنع حصول ذلك طالما هو موجود، إلا أنه يرى أن الفتنة ستقع في حال ذهاب هذا القرار، لأن الغطاء السياسي المحلي غير موجود.

في المحصلة، لبنان بات جاهزاً للدخول في الحرب السورية بشكل كامل بسبب مواقف معظم الأفرقاء، إلا أن ساحتها لا تزال خارج الحدود، لكن إنتقالها إلى داخل الحدود يبقى مرتبطاً بقرار دولي لا يزال يمنع ذلك حتى اليوم، فهل يستمر طويلاً هذا القرار؟